يتعالى صوت الصرخات و البكاء قادما من وراء ضباب النوم، ينتزعني من خدر لذيذ. ادفن رأسي في المخدة، احاول تجاهل الحرب التي تستعر في الغرفة المجاورة دون جدوى. زوج و زوجة هما، لماذا اتدخل؟ ابي و امي هما، هل لي من سلطة عليهما حتى اتدخل؟
اجذب الغطاء على رأسي و احاول عبثا استحضار ملك النوم.
اصلي لكي يهدءا... ولكن لا يبدو ان صوتي وصل لرب السماء.
بفضل التّعود انجح في ان لا افهم الكلمات المتبادلة من خلال جدران شقة هشة. عادة اكتسبتها من يوم ادركت ان الاولاد سبب كاف للعدول عن طلب الطلاق، لكنه سبب غير كاف للتظاهر بالسعادة. عند كل مشكلة تتسارع دقات قلبي و يدوي في صدري نفس السؤال.. هل سنحزم حقائبنا الى بيت الجد الى اجل غير معلوم... الى ذلك الاجل الذي تتبع امي فيه تقويما لا شمسيا ولا قمريا و انما تقويم حدسها بان ابي "احسّ" بقيمتها في البيت.
عندما كنت طفلة، كنت لا اعرف الى اي شق من المفترض ان انحاز. فينتهي بي الامر الى ان اتجنبهما كليهما و انتمي الى حزب العزلة. ارفض تناول قطع الحلوى التي يأتيني بيها ابي في زياراته الصلحية و ارفض تناول ما تعده لي امي من طعام. اقضي اليوم اقص روايات على دميتي حول عائلة سعيدة، يقبل فيها الاب زوجته من جبينها كل صباح و تستقبله هي بسعادة كل مساء، عائلة تعيش خارج مفاهيم الميزانية و المرتب و "اُمّكِ" و "اُختُكَ"... عائلة كتلك التي اراها في برنامج "اصدقاؤنا الصغار"... لم يكن يبدو على الدمية انها تفهمني، فالقيها جانبا و اكمل لنفسي القصة.
كنت اعتقد انني كبرت و لم تعد القصص تكفي لتخدير الم التشتت ولا لتسكت دقات القلب المتسارعة في خوف ووجل مما سيكون بينهما. فهمت ان ابي ليس الرجل الخارق الذي ظننت. فهو ليس بساحر يخرج الاوراق النقدية من جيبه كلّما طلبت امي و ليس في منطقه من شئ ان ينحني ليقبل يدها كما يفعل فارس الاحلام في الروايات. ابي مجرد رجل ترهقه المسؤوليات.
كنت اظن ان ابي مجرّد رجل... و لكنني نسيت انه ايضا رجل...
ارتجت جدران البيت على وقع صفق الباب بعنف جعل خشبه القديم يئن ليمتزج بنحيب امي الآخذ في الاقتراب. اغمضت عيني و بدأت اصلّي كي لا تأتي، كلا يا الاهي لا اريدها ان تأتي، ليس لي طاقة ولا رغبة في التحليل و التفسير و التحقير .. رباه كم اكره تلك الاسئلة اللي لا تقبل سوى اجابة واحدة... "انتِ على حق"، من حقي الاحتفاظ بشئ من هالة القدسية الابوية... الا ان باب الغرفة فتح بعنف.
يبدو ان الالاه لديه الكثير من الاولاد الذين تخاصم آباءهم هذا الصباح...
لم تمهلني كي اتظاهر بالاستفاقة من النوم. شدّت الغطاء عن رأسي و عاجلتني باربعة شعرات شقراء امام نظرتي المشدوهة. لم يكن الموقف يحتاج الى ذكاء... في بيت كل نساءه شعرهنّ ليل، تكفي شعرة شقراء واحدة حتى تهدم البيت على رؤوس اصحابه.
لم يسعفني ذكائي سوى بكلمة واحدة "عمّتي!"
امام العينين اللتين ضاقتا باستغراب انفرط عقد لساني حالفا باغلظ المواثيق بان عمتي عنّ لها ان تصبغ شعرها بهذا اللون الاشقر الفاقع ولابد من ان شعرات منها علقت بثياب ابي عندما مررنا لنزورها.
ارتفع الحاجب في تشكيك صامت، هو اقرب لاستجداء ان ابدد بقية الشكوك.
انطلقت في هذيان عصبي محموم حول "الشيب و العيب" و كيف ان اللون لم يناسب سنّها الوقور، كان من الاجدر بها ان تغطي شعرها تحسبا لملاقاة ربها بدل هذه المراهقة المتأخرة. كانت كل كلمة تنزل بردا و سلاما على امي تهدئ روعها و تطبب جروح انوثتها من "غريمة" شقراء...
خرجت امي بعد ان ضحكت حد الدموع من الوصف الكاريكاتوري لشعر حماتها الثانية... عمتي، و حلّفتني ان نذهب لزيارتها في اقرب فرصة حتى يتسنى لها ان ترى هذه البدعة عن كثب..
تنهدت براحة و تناولت الهاتف.. بضع رنات قصيرات... لم يطل انتظاري قبل ان ترفع السماعة
"صباح الخير يا احلى عمة.... كيف الصحة؟.... لا لا مازلت شبابا، على ذكر الشباب، هل تعرفين ان الاشقر لون كان ليليق بك؟ ماقولك بان امرّك و نذهب لصبغه؟... امي تنوي ان تصبح شقراء و لكنني لا ارى هذا اللون يصلح الا لبياض بشرتك انت... عندما تسبقينها ستعدل حتى لا يقال تقلدك... موافقة اذا؟ الى اللقاء"
انهيت المكالمة و ارتميت على المخدة اكتم صوت النحيب... هل كل الاباء رجال؟؟
اجذب الغطاء على رأسي و احاول عبثا استحضار ملك النوم.
اصلي لكي يهدءا... ولكن لا يبدو ان صوتي وصل لرب السماء.
بفضل التّعود انجح في ان لا افهم الكلمات المتبادلة من خلال جدران شقة هشة. عادة اكتسبتها من يوم ادركت ان الاولاد سبب كاف للعدول عن طلب الطلاق، لكنه سبب غير كاف للتظاهر بالسعادة. عند كل مشكلة تتسارع دقات قلبي و يدوي في صدري نفس السؤال.. هل سنحزم حقائبنا الى بيت الجد الى اجل غير معلوم... الى ذلك الاجل الذي تتبع امي فيه تقويما لا شمسيا ولا قمريا و انما تقويم حدسها بان ابي "احسّ" بقيمتها في البيت.
عندما كنت طفلة، كنت لا اعرف الى اي شق من المفترض ان انحاز. فينتهي بي الامر الى ان اتجنبهما كليهما و انتمي الى حزب العزلة. ارفض تناول قطع الحلوى التي يأتيني بيها ابي في زياراته الصلحية و ارفض تناول ما تعده لي امي من طعام. اقضي اليوم اقص روايات على دميتي حول عائلة سعيدة، يقبل فيها الاب زوجته من جبينها كل صباح و تستقبله هي بسعادة كل مساء، عائلة تعيش خارج مفاهيم الميزانية و المرتب و "اُمّكِ" و "اُختُكَ"... عائلة كتلك التي اراها في برنامج "اصدقاؤنا الصغار"... لم يكن يبدو على الدمية انها تفهمني، فالقيها جانبا و اكمل لنفسي القصة.
كنت اعتقد انني كبرت و لم تعد القصص تكفي لتخدير الم التشتت ولا لتسكت دقات القلب المتسارعة في خوف ووجل مما سيكون بينهما. فهمت ان ابي ليس الرجل الخارق الذي ظننت. فهو ليس بساحر يخرج الاوراق النقدية من جيبه كلّما طلبت امي و ليس في منطقه من شئ ان ينحني ليقبل يدها كما يفعل فارس الاحلام في الروايات. ابي مجرد رجل ترهقه المسؤوليات.
كنت اظن ان ابي مجرّد رجل... و لكنني نسيت انه ايضا رجل...
ارتجت جدران البيت على وقع صفق الباب بعنف جعل خشبه القديم يئن ليمتزج بنحيب امي الآخذ في الاقتراب. اغمضت عيني و بدأت اصلّي كي لا تأتي، كلا يا الاهي لا اريدها ان تأتي، ليس لي طاقة ولا رغبة في التحليل و التفسير و التحقير .. رباه كم اكره تلك الاسئلة اللي لا تقبل سوى اجابة واحدة... "انتِ على حق"، من حقي الاحتفاظ بشئ من هالة القدسية الابوية... الا ان باب الغرفة فتح بعنف.
يبدو ان الالاه لديه الكثير من الاولاد الذين تخاصم آباءهم هذا الصباح...
لم تمهلني كي اتظاهر بالاستفاقة من النوم. شدّت الغطاء عن رأسي و عاجلتني باربعة شعرات شقراء امام نظرتي المشدوهة. لم يكن الموقف يحتاج الى ذكاء... في بيت كل نساءه شعرهنّ ليل، تكفي شعرة شقراء واحدة حتى تهدم البيت على رؤوس اصحابه.
لم يسعفني ذكائي سوى بكلمة واحدة "عمّتي!"
امام العينين اللتين ضاقتا باستغراب انفرط عقد لساني حالفا باغلظ المواثيق بان عمتي عنّ لها ان تصبغ شعرها بهذا اللون الاشقر الفاقع ولابد من ان شعرات منها علقت بثياب ابي عندما مررنا لنزورها.
ارتفع الحاجب في تشكيك صامت، هو اقرب لاستجداء ان ابدد بقية الشكوك.
انطلقت في هذيان عصبي محموم حول "الشيب و العيب" و كيف ان اللون لم يناسب سنّها الوقور، كان من الاجدر بها ان تغطي شعرها تحسبا لملاقاة ربها بدل هذه المراهقة المتأخرة. كانت كل كلمة تنزل بردا و سلاما على امي تهدئ روعها و تطبب جروح انوثتها من "غريمة" شقراء...
خرجت امي بعد ان ضحكت حد الدموع من الوصف الكاريكاتوري لشعر حماتها الثانية... عمتي، و حلّفتني ان نذهب لزيارتها في اقرب فرصة حتى يتسنى لها ان ترى هذه البدعة عن كثب..
تنهدت براحة و تناولت الهاتف.. بضع رنات قصيرات... لم يطل انتظاري قبل ان ترفع السماعة
"صباح الخير يا احلى عمة.... كيف الصحة؟.... لا لا مازلت شبابا، على ذكر الشباب، هل تعرفين ان الاشقر لون كان ليليق بك؟ ماقولك بان امرّك و نذهب لصبغه؟... امي تنوي ان تصبح شقراء و لكنني لا ارى هذا اللون يصلح الا لبياض بشرتك انت... عندما تسبقينها ستعدل حتى لا يقال تقلدك... موافقة اذا؟ الى اللقاء"
انهيت المكالمة و ارتميت على المخدة اكتم صوت النحيب... هل كل الاباء رجال؟؟